فخر الدين الرازي

56

تفسير الرازي

كلح ، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس ، لأن جاءه الأعمى ، وأعرض لذلك ، وقرئ أن جاءه بهمزتين ، وبألف بينهما وقف على * ( عبس وتولى ) * ثم ابتدأ على معنى ألآن جاءه الأعمى ، والمراد منه الإنكار عليه ، واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار ، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه ، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجهاً بالتوبيخ وإلزام الحجة . قوله تعالى * ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ) * . فيه قولان : الأول : أي شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك ، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك ، فتكون له لطفاً في بعض الطاعات ، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك يطهره عن بعض مالا ينبغي ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغي وهو الطاعة الثاني : أن الضمير في لعله للكافر ، بمعنى أنت طمعت في أن يزكى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق : * ( وما يدريك ) * أن ما طمعت فيه كائن ، وقرئ فتنفعه بالرفع عطفاً على يذكر ، وبالنصب جواباً للعل ، كقوله : * ( فأطلع إلى إله موسى ) * ( غافر : 37 ) وقد مر . * ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ) * . ثم قال : * ( أما من استغنى ) * قال عطاء : يريد عن الإيمان ، وقال الكلبي : استغنى عن الله ، وقال بعضهم : استغنى أثرى وهو فاسد ههنا ، لأن إقبال النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى ، فأنت تقبل عليه ، ولأنه قال : * ( وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى ) * ( عبس : 9 , 8 ) ولم يقل : وهو فقير عديم ، ومن قال : أما من استغنى بماله فهو صحيح ، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . قوله تعالى * ( فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ) * . قال الزجاج : أي أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا من قوله : * ( إلا مكاء وتصدية ) * ( الأنفال : 35 ) وقرئ : تصدى بالتشديد بإدغام التاء في الصاد ، وقرأ أبو جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أي تعرض ، ومعناه يدعوك ( داع إلى ) التصدي له من الحرص ، والتهالك على إسلامه . * ( وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ) * . ثم قال تعالى : * ( وما عليك ألا يزكى ) * المعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم .